الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
39
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فانتقل من ترهيب الكافرين بما سيلاقونه إلى ترغيب المتقين فيما أعدّ لهم في الآخرة من كرامة ومن سلامة مما وقع فيه أهل الشرك . فالجملة متصلة بجملة إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً لِلطَّاغِينَ مَآباً [ النبأ : 21 - 22 ] وهي مستأنفة استئنافا ابتدائيا بمناسبة مقتضي الانتقال . وافتتاحها بحرف إِنَّ للدلالة على الاهتمام بالخبر لئلا يشك فيه أحد . والمقصود من المتقين المؤمنون الذين آمنوا بالنبيء صلى اللّه عليه وسلم واتبعوا ما أمرهم به واجتنبوا ما نهاهم عنه لأنهم المقصود من مقابلتهم بالطاغين المشركين . والمفاز : مكان الفوز وهو الظفر بالخير ونيل المطلوب . ويجوز أن يكون مصدرا ميميا بمعنى الفوز ، وتنوينه للتعظيم . وتقديم خبر إِنَّ على اسمها للاهتمام به تنويها بالمتقين . والمراد بالمفاز : الجنة ونعيمها . وأوثرت كلمة مَفازاً على كلمة : الجنة ، لأن في اشتقاقه إثارة الندامة في نفوس المخاطبين بقوله : فَتَأْتُونَ أَفْواجاً [ النبأ : 18 ] وبقوله : فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً [ النبأ : 30 ] . وأبدل حَدائِقَ من مَفازاً بدل بعض من كل باعتبار أنه بعض من مكان الفوز ، أو بدل اشتمال باعتبار معنى الفوز . والحدائق : جمع حديقة وهي الجنة من النخيل والأشجار ذوات الساق المحوطة بحائط أو جدار أو حضائر . والأعناب : جمع عنب وهو اسم يطلق على شجرة الكرم ويطلق على ثمرها . والكواعب : جمع كاعب ، وهي الجارية التي بلغت سن خمس عشرة سنة ونحوها . ووصفت بكاعب لأنها تكعّب ثديها ، أي صار كالكعب ، أي استدار ونتأ ، يقال : كعبت من باب قعد ، ويقال : كعّبت بتشديد العين ، ولما كان كاعب وصفا خاصا بالمرأة لم تلحقه هاء التأنيث وجمع على فواعل . والأتراب : جمع ترب بكسر فسكون : هو المساوي غيره في السنّ ، وأكثر ما يطلق على الإناث . قيل : هو مشتق من التراب فقيل لأنه حين يولد يقع على التراب مثل الآخر ، أو لأن الترب ينشأ مع لدته في سنّ الصّبا يلعب بالتراب .